ابراهيم بن عمر البقاعي
202
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
كلّا منهم تقبل منه الجزية ، وتأويله بأنه إسلام لغوي لا داع له مع إمكان الحقيقة ، وقد كان ما أشار إليه التقسيم فإنهم لما دعوا إليهم انقسموا إلى مجيب وهم الأكثر ، وقد آتاهم اللّه الأجر الحسن في الدنيا بالغنيمة والذكر الجميل وهو المرجو في الآخرة ، ومرتد وهم قليل وقد أذاقهم اللّه العذاب الأليم في الدنيا بالقتل على أقبح حال ، وهو يذيقهم في الآخرة أعظم النكال ، وأما قتال غير العرب فأطاع فيه الكل ولم يحصل فيه ما أشير إليه من التقسيم ، فتحقق بهذا أنهم أهل الردة - واللّه الموفق ، ولذلك سبب عن دعوة الحق قوله مرددا القول في حالهم مبهما له إشارة إلى أنهم عند الدعاء ينقسمون إلى مقبل ومتول : فَإِنْ تُطِيعُوا أي توقعوا الطاعة للداعي إلى ذلك ، وهو أبو بكر رضي اللّه عنه يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أي الذي له الإحاطة والقدرة على الإعطاء والمنع ، لا راد لأمره أَجْراً حَسَناً دنيا وأخرى ، جعل اللّه طاعة أبي بكر رضي اللّه عنه في هذا الأمر بالخصوص كطاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الذي طاعته طاعة اللّه ، جزاء له على خصوصه في مزيد تسليمه لما فعله النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الصلح وثباته بما أجاب به عمر رضي اللّه عنهما بمثل جواب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من غير أن يكون حاضرا له كما هو معلوم من السيرة . ولما كانت مخالفة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ومن يقوم مقامه لا تكون إلا عن منازعة في الفطرة الأولى ومعالجة لها ، عبر بالتفعل فقال : وَإِنْ تَتَوَلَّوْا عن قبول دعوته عصيانا كَما تَوَلَّيْتُمْ أي عالجتم أنفسكم وكلفتموها التولي بالتخلف عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مِنْ قَبْلُ أي بعض الأزمان التي تقدمت على هذا الدعاء ، وذلك في الحديبية يُعَذِّبْكُمْ أي يخالطكم بعقوبة تزيل العذوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما عَذاباً أَلِيماً * لأجل تكرر ذلك منكم . ولما توعد المتخلفين بتخلفهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم توعدهم في التقاعد عن هذا الإمام القائم بعده بالحق ، وكان أهل الأعذار لا يتيسر لهم ما أريد بهذا الدعاء ، وكان الدين مبنيا على الحنيفية السمحة ، استأنف قوله تعالى مسكنا لما استثاره الوعيد من روعهم : لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى أي في تخلفه عن الدعاء إلى الخروج مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو مع غيره من أئمة الدعاء حَرَجٌ أي ميل بثقل الإثم لأجل أن عماه موهن لسعيه وجميع بطشه ، ولأجل تأكيد المعنى تسكينا لما ثار من روع المؤمن كرر النافي والحرج في كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الأمر فقال : وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ وإن كان نقصه أدنى من نقص العمى حَرَجٌ وجعل كل جملة مستقلة تأكيدا لهذا الحكم . ولما ذكر هذين الأثرين الخاصين المزيد ضررهما في العاقة عن كمال الجهاد ، عم بقوله : وَلا عَلَى الْمَرِيضِ أي بأيّ مرض حَرَجٌ فلم يخرج أهل هذه الأعذار الذين